بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين موجد الكون من العدمِ رب كل شيء ومالكه مخرجنا ألى النور من الظُلَمِ فالحمد لله حمداً يليق به سبحانه و كرمه وأمتنانه

يعتقد البعض من الناس وخصوصاً الذين قد يتميزون عن باقي أقرانهم بصفة ما قد تكون سعة من علم او مال أو جمال الجسم وبسطته أنه أكبر ما في الوجود أو ليس ما هناك من يوازيه أو يوازي عظمته في الكون فتنتهي به نفسه ألى نكران الخالق غروراً وتكبراً وهناك من يهبه الله سلطة ما فيطغى على العباد وينشر في الأرض الفساد ويكفر بفضل الله عليه أذا من عليه بمثل هذا المنصب والمكان و أذا ما ذكرته ما زاده ذلك الا طغيان وكفر والله المستعان .

وهناك الكثير من الأمثلة والعبر قد ذكرها الله في كتابه المجيد وبسبب اعملها قد ظلت الناس عنها وعن تبيانها [
وَتِلۡكَ الۡأَمۡثَالُ نَضۡرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعۡقِلُهَا إِلَّا الۡعَالِمُونَ ](العنكبوت:43) [ وَتِلۡكَ الۡأَمۡثَالُ نَضۡرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ ]( الحشر:21)
ولله في نفس الإنسان لآيات لو تفكر بها لنشغل بنفسه عن كل الخلق ولسجد تضرعاً لله فما كاد ان يرفع رأسه يقول الله الخالق العظيم [
أَوَ لَمْ يَرَ ٱلْإِنسَٰنُ أَنَّا خَلَقْنَٰهُ مِن نُّطْفَةٍۢ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌۭ مُّبِينٌۭ(77) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًۭا وَنَسِىَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحْىِ ٱلْعِظَٰمَ وَهِىَ رَمِيمۥ(78) قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِىٓ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍۢ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيم(79) ](يس) ولكي يقارن الإنسان بين خلقه وبين ما هو فوقه من خلق يقول الله سبحانه وتعالى [ أَوَ لَيْسَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ بِقَٰدِرٍ عَلَىٰٓ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَىٰ وَهُوَ ٱلْخَلَّٰقُ ٱلْعَلِيمُ(81)](يس) و ولتيين قدرة الخالق المطلقةَ [إِنَّمَآ أَمْرُهُۥٓ إِذَآ أَرَادَ شَيْـًٔا أَن يَقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ(82) ]( يس)
ولله في الأفق آيات عظام فوق ما يتصوره العلق من سعته وتعداد مجراته وأن دل هذا أنما يدل على أن من خلق هذا الخلق العظيم قادر أن يخلق ما هو أضعف و وصغر حجماً يقول رب العزة [
لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ](غافر:2)
أن في الأرض من العبر ما يحير بها كل من فكر وبخلق الله تدبر فحين تمر على ارض قاحلة لا شجر لا نبات ولا ثمر ما يمر بك الوقت فإذا هي أشجار مثمرة او نبات مما يشاء الله ان يخرجه رزقأ للخلق من أنسان أو حيوان [
وَمِنۡ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الۡأَرۡضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلۡنَا عَلَيۡهَا الۡمَآءَ اهۡتَزَّتۡ وَرَبَتۡ إِنَّ الَّذِى أَحۡيَاهَا لَمُحۡيِى الۡمَوۡتَى إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىۡءٍ قَدِيرٌ ](فصلت:39)
أن من قام بأمر بأتقان قادر على تكراره أفضل مما كان فالذي أحيا العظام وهي رميم قادر على ان يعيدها أذا شاء ومتى شاء الى الحياة يقول رب الأرض والسماوات وفي قصة أصحاب الكهف لعبرة لمن ألقى السمع وهو شهيد [
وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًۭا وَهُمْ رُقُودٌۭ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ ٱلْيَمِينِ وَذَاتَ ٱلشِّمَالِ وَكَلْبُهُم بَٰسِطٌۭ ذِرَاعَيْهِ بِٱلْوَصِيدِ لَوِ ٱطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًۭا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًۭا(18)] ( الكهف)[ وَكَذَٰلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوٓا۟ أَنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّۭ وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَآ إِذْ يَتَنَٰزَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ ](الكهف:21)
وكذلك في قصة صاحب الحمار عزريا بن هوشعيا [
أَوۡ كَالَّذِى مَرَّ عَلَىٰ قَرۡيَةٍ وَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحۡى هَذِهِ اللّهُ بَعۡدَ مَوۡتِهَا فَأَمَاتَهُ اللّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمۡ لَبِثۡتَ قَالَ لَبِثۡتُ يَوۡمًا أَوۡ بَعۡضَ يَوۡمٍ قَالَ بَل لَّبِثۡتَ مِئَةَ عَامٍ فَانظُرۡ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمۡ يَتَسَنَّهۡ وَانظُرۡ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجۡعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ وَانظُرۡ إِلَى العِظَامِ كَيۡفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكۡسُوهَا لَحۡمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعۡلَمُ أَنَّ اللّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىۡءٍ قَدِيرٌ](الكهف:260) وتفسيرها كما جاء في كتاب تفسير المتشابه ل(محمد علي حسن الحلي رحمه الله)هو


260 – لّمّا ذكر الله تعالى في الآية السابقة مجادلة النمرود مع سيّدنا إبراهيم ذكر في هذه الآية مجادلة عزريا مع النبيّ إرميا فقال:

(أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ ) وهو عزريا بن هوشعيا [وهذا غير عزرا بن سرايا الذي كتب التوراة بعد تمزيقها] والقرية هي بيت المقدس (وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا ) أي متهدّمة لأنّ نبوخذنصر قد هدّمها ، فجاء عزريا مع جمع من اليهود من نواحي بيت المقدس ليذهبوا إلى مصر خوفاً من الكلدانيّين فمرّوا ببيت المقدس وهي متهدّمة ، فسألوا النبيّ إرميا قائلين أنذهب إلى مصر أم نقيم في بيت المقدس ، فقال لهم لا تذهبوا إلى مصر بل ابقوا هنا والله تعالى يجمعكم بعد التشتيت ويعمّر هذه القرية بعد خرابِها (قَالَ ) عزريا مستنكراً ذلك (أَنَّىَ يُحْيِـي هَـَذِهِ اللّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا ) أي كيف تعمر هذه القرية بعد الخراب ، وكيف تجتمع بنو إسرائيل بعد القتل والتشتيت فهذا لا يمكن ، فإنّنا لا نبقى هنا بل نذهب إلى مصر .

فلمّا ساروا تاه عزريا في الطريق فلجأ إلى كهف كان في طريقه فدخله هو وحماره ونام ليلته في الكهف فانحدرت صخرة من الجبل وسدّت باب الكهف فمات في مكانه ومات حماره أيضاً فتبدّدت أوصالهما وتناثر لحمهما داخل الكهف ، وبعد مائة سنة خلق الله تعالى جسم عزريا من تلك الرمم البالية وكذلك خلق جسم حماره في ذلك الكهف 1 ولكن تمّ خلق جسم عزريا قبل حماره فبعث الله فيه الروح فقام حياً ، وتفطّرت الصخرة وسقطت عن باب الكهف ، فبعث الله تعالى ملكاً على صورة إنسان يسأله فقال له : كم لبثت في هذا المكان ؟ قال عزريا : يوماً أو بعض يوم ، لأنّه ظنّ أنّه كان نائماً فانتبه من نومه ، فقال الملك : بل لبثت مائة عام ، فقال عزريا : ما الدليل على ذلك ؟ قال : أنظر إلى حمارك في دور التكوين بارزاً عن الأرض مخلوقاً من الطين وانظر إلى العظام كيف ننشزها عن الطين أي كيف نرفعها من التراب الرطب ونجعلها على هيئة حمار ثمّ نكسوها لحماً من ذلك الطين بالتدريج ثمّ نتمّم خلقه فيكون حماراً كاملاً .

فصار عزريا ينظر إلى حماره وهو ممدود في الطين في دور التكوين فلمّا تمّ خلقه نهض من الأرض وقام ، فحينئذٍ قال عزريا : أعلم أنّ الله على كلّ شيء قدير .

التفسير :

(فَأَمَاتَهُ اللّهُ مِئَةَ عَامٍ ) في ذلك الكهف (ثُمَّ بَعَثَهُ ) والمعنى بعث روحه إلى جسمه ، أي أحياه بعد تلك المدة ، فبعث الله ملكاً يسأله (قَالَ ) الملَك لعزريا (كَمْ لَبِثْتَ ) في هذا الكهف (قَالَ ) عزريا (لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ ) الملَك (بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ ) لم ينتن (وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ ) أي لم يتغيّر مع كثرة السنين (وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ ) في دور التكوين كيف يقوم من الطين الناشف (وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ ) ليستدلّوا على قدرة الله (وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ ) التي لحمارك المتكوّنة من تراب رطب (كَيْفَ نُنشِزُهَا ) أي كيف نرفعها من طين ناشف ونجعلها على هيئة حمار (ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا ) بالتدريج من ذلك التراب الرطب (فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ ) أي تبيّن لعزريا وشاهد بعينه إحياء حماره (قَالَ أَعْلَمُ ) أي أتيقّن (أَنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) . فلمّا رجع إلى بيت المقدس وجدها عامرة بالبناء وآهلة بالسكّان . فإن شئت زيادة إيضاح على خلق الأجسام من التراب فاقرأ كتابنا "الردّ على الملحدين" تحت موضوع "رأي العين" .

-------------------------------------------------

1يتمّ خلق الأجسام في الأرض من تراب رطب أو طين ناشف وذلك على ثلاث حالات : أوّلاً أن يكون ذلك التراب بقايا رمم بالية ، ثانياَ يكمل خلقه بمدّة أربعين يوماً ، ثالثاً أن يكون ذلك في مكان مظلم ، ولذلك قال الله تعالى في سورة الزمر {يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ}
.

وبعد بيان هذه القراءن الأربعة من كتاب الله ما هي ألا دعوة لكل من جادل وما زال يجادل نفسه ويضيعها في دهاليز الخضوع والخنوع للشيطان ويتكبر على من أوجده وهو الله الخالق الكريم
[
سُبْحَٰنَ رَبِّكَ رَبِّ ٱلْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ(180) وَسَلَٰمٌ عَلَى ٱلْمُرْسَلِينَ(181) وَٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ(182)](الصافات)
هذا والله أعلم وأكرم
فأن أصبت فالحمد لله وحده
وأن أخطأت فمن نفسي والشيطان
والحمد لله رب العالمين
والسلام عليكم